عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
356
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية . المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم ؛ لأنّ الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - قد علمها من قبل اللّه تعالى ، والمقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء : الأول : المقصود منه تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح تنبيها لهم على إصرارهم على الكفر بمحمد - عليه الصلاة والسلام - . والثاني : أنّ الإنسان قد يقول لغيره هل الأمر كذ وكذا ؟ ليعرف ذلك بأنه محيط بمعرفة تلك الواقعة وغير غافل عنها . ولمّا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا أميا لم يعلم علما ، ولم يطالع كتابا ، ثمّ إنّه يذكر هذه القصص على وجوهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان ، كان ذلك جاريا مجرى المعجزة . قوله : « عن القرية » لا بدّ من مضاف محذوف ، أي : عن خبر القرية ، وهذا المحذوف هو النّاصب لهذا الظرف وهو قوله « إذ يعدون » . وقيل : هو منصوب ب « حاضرة » . قال أبو البقاء « 1 » : وجوّز ذلك أنها كانت موجودة في ذلك الوقت ثم خربت . وقدر الزمخشريّ : المضاف « أهل » أي : عن أهل القرية ، وجعل الظرف بدلا من « أهل » المحذوف فإنّه قال : « إذ يعدون » بدل من القرية ، والمراد بالقرية : أهلها كأنه قيل : واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في البيت ، وهو من بدل الاشتمال . قال أبو حيّان « 2 » وهذا لا يجوز ؛ لأن « إذ » من الظّروف التي لا تتصرّف ، ولا يدخل عليها حرف جر ، وجعلها بدلا يجوّز دخول « عن » عليها ؛ لأنّ البدل هو على نيّة تكرار العامل ولو أدخلت « عن » عليها لم يجز ، وإنّما يتصرّف فيها بأن تضيف إليها بعض الظّروف الزّمانية نحو : يوم إذ كان كذا ، وأمّا قول من ذهب إلى أنّها تكون مفعولة ب « اذكر » فقول من عجز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفا . وقال الحوفيّ : « إذ » متعلقة ب « سلهم » . قال أبو حيان « 3 » : وهذا لا يتصوّر ، لأن « إذ » لما مضى ، و « سلهم » مستقبل ، لو كان ظرفا مستقبلا لم يصحّ المعنى ؛ لأنّ العادين - وهم أهل القرية - مفقودون فلا يمكن سؤالهم والمسؤول غير أهل القرية العادين .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 278 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 408 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 408 .